مشاهداتي في غوانتانامو 1

فبراير 9th, 2008 كتبها وليد جواد نشر في , غوانتانامو

وليد جواد من غوانتانامو: نعم الصورة خير من ألف كلمة - كما يقول المثل - ولكن ليس لكل صورة مثل تلك المقدرة على إيصال المعلومة، وفي المقابل هناك صور تتخطى في وقعِها آلاف الكلمات لما لها من تأثير علينا،،، فهي تثير عاطفتنا،،، تسارع من دقات قلوبنا،،، وحتى تؤرقنا. اختصار ما يحدث في غوانتانامو في تلك الصورة الرمزية للمعتقلين وهم جالسون على الأرض في زيهم البرتقالي،، مكبلين،، مغممين،، هو تَجْميدٌ أَبَدي للحظات قصيرة عاشها معسكر الاعتقال الموقت إيكس راي X-Ray أثناء نقل المعتقلين إلى غرف حبسهم. لقد وطأت قدماي تلك الأرض قبل بضعة أيام وشاهَدَت عيناي تلك الساحة المهجورة التي تملأها اليوم الأعشاب، ولكني رأيت أكثر من ذلك وشاهدت الصورة الكاملة لما يحدث في غوانتانامو. اسمحوا لي أن أُخْبِرَكم بأني وجَدْت صعوبة في التوفيق بين الواقع الذي شاهَدْتُه هناك وبين الصور التي شاهدناها جميعا في الأيام الأُوَل للمعتقل، فالاختلاف شاسع.

لقد عدت قبل بضعة أيام من خليج غوانتانامو - تلك القاعدة العسكرية التابعة لسلاح البحرية الأميركي - محملا بمخزون كبير من المعرفة،،، وبفيض من العواطف،،، فقد كانت حقا رحلة حاسمة تحدت الانْطِبَاعات،، وأَزَالَت الشك،،، لتُؤَكِدَ الحَقَائِق،، وتُثَبِّتَ الواقع. قبل الزيارة كُنْتُ تحت سطْوَة انْطِبَاعٍ يقول إن غوانتانامو كلها معتقل، ولا عجب في ذلك خاصة وأن التقارير الإخبارية لا تتحدث إلا عن المُعْتَقَل والمُعْتَقَلين ولا تَتَحدّث عن غوانتانامو القاعدة البحرية، ولكن الحقيقة هي أن جزءا ضئيلا من المساحة الشاسعة للقاعدة التي تأسست في عام 1898 (في القرن التاسع عشر الميلادي) قد خصصت كمعتقل موقت. فقد مرّت مرافُق الاعتقال بعدة مراحل أولها كان في معسكر الاعتقال الأوَّلي إيكس راي X-Ray الذي جُهِّزَ في تلك المرحلة الأوليّة ليَسْتَقْبِلَ أوائِل المعتقلين وذلك في الفترة من يناير من عام 2002 إلى إبريل من العام نفسه حين جُهّز مُعْتَقَلٌ أكثرَ ملاءمة لحبسهم.

ورغم قصر المدة التي قضاها المعتقلون هناك في معسكر الاعتقال X-Ray والتي استمرت لمدة ثلاثة أشهر فقط إلا أن جُلْ الصور التي رأيناها في تلك الفترة وكذلك الصور التي نشاهدها بشكل متكرر اليوم في مواقع شتى على الإنترنت هي من تلك التي التقطتْها وحدة التصوير العسكرية خلال تلك المدة القصيرة. وبحلول نهاية شهر إبريل تم نقل المعتقلين إلى مجمع الإعتقال دلتا Delta الذي يوفر بيئة أكثر مواءَمة لتسهيل ظروف الاعتقال. ولكن الأسئلة لم تُفارِقني عن بعض الصور التي اُلْتُقِطَت في معسكر X-Ray، فتساءلت عن سبب نقل المعتقلين على ألواحٍ مُدَوْلَبَة في حينه، فقيل لي إن ذلك بسبب وجود معظم مباني الخدمات من غرف تحقيق وزيارة ومستشفى خارج سور X-Ray وعليه تطلب الوضع اتخاذ احتياطاتٍ لوجستية أَمْنِيّة مُحْكَمَة لتَجَّنُب أي محاولة للهرب، فوَجَدوا أن نقل المعتقلين على تلك العربات هي الوسيلة الأمثل لنقلهم من وإلى غرف حجزهم. ولكن الوضع الحالي مختلف ومتباين بشكل كلي بين صور معتقلي X-Ray وبين الترتيبات المعمول بها في مجمع الإعتقال Delta والذي يضم المعسكرات 1 و 2 و 3 و 4.

مجمع الإعتقال دلتا Delta

لقد بدأت جولتي بزيارة المعسكر رقم 4 الذي يمكث فيه المعتقلون الذين يَمْتَثِلُون لأنظمة المعتقل. في هذا المعسكر يحظى المعتقلون بالعديد من الامتيازات التي تتضمن البقاء في غرف الحجز الجماعي التي يعيش فيها ما لا يزيد عن عشرة معتقلين، كما يتمتع جميعهم بحرية الخروج والدخول من غرف الحجز الجماعي إلى ساحات الرياضة والترفيه على مدى 12 ساعة يوميا على الأقل. كما أن هذا المعسكر يحوي فصلا لتدريس اللغة العربية والباشتونية حاليا والإنكليزية في المستقبل القريب. كما يحوي المعسكر رقم 4 على غرفتين للمشاهدة التلفزيونية والتي تُعْرَض فيهما أفلام إمّا ثقافية أو رسوم متحركة أو مباريات رياضية - وهي في العادة لكرة القدم - يقوم المعتقلون باختيار ما يريدون مشاهدته بشكل أسبوعي لتعرض في يومي الخميس والجمعة.

يرتدي المعتقلون الذين يَمْتَثِلُون لأنظمة المعتقل زيا أبيض اللون بدلا من الزي البرتقالي الذي يرتديه غير المُمْتَثِلين. يحصل المُمْتَثِلون على
المزيد


زيارة إلى غوانتانامو

يناير 22nd, 2008 كتبها وليد جواد نشر في , غوانتانامو

مجرد ذكر غوانتانامو يؤدي إلى إثارة فيض من المشاعر لدى الكثير من الناس لما يحمله هذا الإسم من معاني رمزية تضع خطا فاصلا بين المقبول والمرفوض ،،، بين ما هو صحيح وما هو خاطئ ،،، بين العدل والظلم. تدرك أمريكا حكومة وشعبا مدى سلبيّة صور غوانتانامو وما يمكن أن يتخيله البعض عن ما يحدث هناك ومدى تأثير ذلك على سمعتنا ،،، نحن نتذكر صور المعتقلين وهم قابعين على الأرض مغممين الأعين مرتدين زيّا برتقاليا. ومع أننا نقول أن غوانتانامو هي ضرورة فرضتها علينا الظروف إلا أننا لسنا راضين عنها. فلم تكن قاعدة غوانتانامو البحرية الواقعة في كوبا مُهَيّأة لاستقبال المعتقلين في بادِئ الأمر ولكنها جُهّزَت وبسرعة لتُصْبِح مكانا مناسبا لإبقاء المعتقلين الإرهابيين الخطيرين إلى حين محاكمتهم.  

 

سوف أغادر واشنطن بعد بضعة أيام متجها إلى غوانتانامو للوقوف بعين الشاهد على واقع حال المعتقل. فأنا مثل معظم الناس كلما اعترضتني كلمة "غوانتانامو" تبادَرت إلى ذهني الصور الأولى لهؤلاء المعتقلين بملابسهم البرتقالية وهم جلوس على الأرض ، وذلك لأننا فشلنا في الإلتزام بالمفهوم الأمريكي القائل بأن هناك فرصة واحدة "لترك انطباع جيد" وهي دائما في الطّرح الأوليْ أو اللقاء الأول. وقد كان الفشل نابعا من فرط الحذر من أن يعتقد المجتمع الدولي بأن غوانتانامو هو حفرة ليس لها قاع تبتلع المعتقلين ، فأردنا أن نؤكد على أن ما يحدث هناك ليس مخفيا عن العالم. ولنتذكر أننا نحن من أخذ صور المعتقلين ،،، ونحن من نشرها ،،، ونحن من سمح للصحفيين العالميين بالحضور إلى القاعدة العسكرية هناك ،،، ونحن من يسهل وصول منظمة الصليب الأحمر الدولية كل شهر إلى المعتقلين ،،، ونحن من يرحب بممثلين الحكومات المختلفة ذات العلاقة بزيارة المعسكر ،،، كما أننا نحن من يرحب وينفذ كثيرا من مقترحات المنظمات والجهات ذات العلاقة ،،، ونعم نحن من قال بأننا نرغب في تعاون الدول التي ينتمي إليها المعتقلون لكي يأخذوا مواطنيهم الذين قررت لجنة المراجعة الإدارية إطلاق سراحهم أو تحويلهم ، وذلك بهدف إقفال معتقل غوانتانامو لأننا لا نرغب في أن نكون سجانو العالم.

 

ربما يكون حرصنا الزائد على تزويد الصحفيين بصور ومعلومات عن حال المعتقلين في بداية الأمر قد أدى إلى نتائج عكسية ، ولكن غوانتانامو تمثل معضلة قانونية حقيقية بالنسبة لنا في الولايات المتحدة. فهل من حق المعتقلين استخدام نظامنا القضائي المدني أم أن من حقنا الاحتفاظ بالمعتق

المزيد