اقتفاءً لأثر جبران (الجزء العاشر)

أكتوبر 6th, 2009 كتبها وليد جواد نشر في , إقتفاءا لأثر جبران, الولايات المتحدة, ثقافة أمريكية, جبران خليل جبران

 

لطالما سمعت أناسا يصفون تجارب لهم أو أحداث مرت عليهم بأنها "غيّرت حياتهم" “life altering experience”. وكنت أعتقد أنه لابد للتجربة أن تكون سلبية وخارجة عن إرادة الإنسان لكي تؤثر بشكل "جذري" على حياته، وإلا لو كانت طوعية فلن تكون دراماتيكية إلى ذلك الحد الذي "يغيّر" حياة الإنسان. مع أن تلك النظرة ربما تكون متشائمة إلا أنني على مدى ستة أيام من اقتفاء أثر جبران في أمريكا قد اكتشفت جانبا مشرقا لما يمكن أن يعنيه وصف تجربة "تغيّر الحياة"؛ ولذلك فإنني أعتقد أن تجربتي ليست مجرد "تغيير" إنما كانت أبعد وأكثر عمقا من ذلك فقد كانت "إثراءً" لحياتي.

 

السبب الأساسي في ذلك يكمن في تحدي أحد المفاهيم التي كنت دائما أسمع بها ولا أشكك فيها حول الهوية العربية الأمريكية. فقد سمعت مرارا وتكرارا في وسائل الإعلام وقرأت على الإنترنت أن الهوية العربية لا يمكن أن تتناغم مع الهوية الأمريكية. وذلك يعني أن هويتي العربية الأمريكية - والتي يشاركني فيها ملايين الأمريكيين - لا بد وأنها دائمة التأرجح على ميزان الهوية بين كفتي الشرق والغرب. ويعني ذلك بالضرورة أن إحدى الهويتين تطغى على الأخرى تباعا باختلاف المرحلة والحالة لكل شخص. وستبقى الحال كذلك إلى أن يصل صاحب الهوية إلى نقطة توازن يستطيع معها أن يعيش احساسا عاما بالسكينة والطمأنينة كعربي أمريكي.

 

ليس من السهل – ولو نظريا – تحقيق نقطة التوازن تلك لأنها ليست نقطة موضوعية ولا مستقلة ولا يوجد نموذج عام يمكن أن يشير أحدنا إليه ويعلن أن ذلك النموذج - سواء كان في شكل شخص أو مجموعة - هو تجسيد للهوية العربية الأمريكية. فإذا نظرنا إلى المجموعة التي تُعرَّف بوصف "عرب أمريكيين" لوجدناها مجموعة كبيرة تتشعب وتنقسم إلى مجموعات ثانوية، والتي يمكن لنا التعرف عليها من خلال تحديد المكان الذي نشأ فيه المنتسبون إليها. فتجد أنه من المشاع استخدام وصف العرب المهاجرين له

المزيد


إقتفاءا لأثر جبران (الجزء التاسع - وداعا يا جبران)

سبتمبر 29th, 2009 كتبها وليد جواد نشر في , إقتفاءا لأثر جبران, الولايات المتحدة, ثقافة أمريكية, جبران خليل جبران

 

كنت أهم بوضع هاتفي الجوال/الموبايل في جيبي استعدادا لمغادرة الفندق عندما رن هاتف الغرفة التي كنت أحل بها في نيويورك، سمعت الصوت في السماعة: "صباح الخير سيد جواد، هذا اتصال الاستفاقة". لم أكن بحاجة إلى مكالمة لإيقاظي فقد استفقت قبل الوقت بأكثر من ساعة. فأنا لم استطع النوم عميقا في ليلتي الأخيرة في نيويورك رغم أن الأيام الماضية في  حل وترحال ومشي لمسافات طويلة كانت توجب على جسدي أن ينام نوما عميقا. ولكن "نفسي" كانت يقظة تترقب آخر يوم لنا في تتبع جبران في الدنيا الجديدة. لم تسمح "نفسي" لجسدي بأن يسكن إلى النوم فهي كانت طرفا في مناقشة قلقة كانت ضحيتها راحة عضلاتي المنهكة.

 

انتهت الليلة قبل أن تسكت نفسي وقبل أن تستكن عاطفتي. لم أكن أتوقع أن يكون يوم وداع جبران بهذه الرمادية فقد توفي جبران قبل 78 عام وما عرفته إلا من كتاباته ورسوماته!!! اتضح لي السبب عندما أفصحت "نفسي" عمّا يدور في كيانها فأكدت أنها تحزن اليوم لأن معايشتها لجبران ستنتهي وأن العقل سيعود إلى مشاغل الحياة وينسى "روحانية" هذا الأسبوع الذي كان سميره كلمات خالدة تشكلت بقلم جبران. 

 

لم أتجرأ على معاتبة نفسي فالحزن في مثل هذا اليوم مناسب. فخلال أشهر من التحضير للرحلة بقراءة كتابات جبران أصبحت أعرف جبران حق المعرفة وإن لم تقتصر معرفتي به على ذلك؛ فقد عرفته صغيرا كزائر دائم على صفحات الكتب وعلى لسان الأدباء. أذكر أني كنت أحفظ من شعره بيتا أو اثنين ،، وكنت أسمع به مقرونا بالرابطة القلمية ،، وبشعراء المهجر. ولا يكاد يذكر ميخائيل نعيمة إلا ويصاحبه اسم جبران ،، ولم اسمع اسم أمين ال

المزيد


إقتفاءا لأثر جبران (الجزء الثامن)

سبتمبر 22nd, 2009 كتبها وليد جواد نشر في , إقتفاءا لأثر جبران, الولايات المتحدة, ثقافة أمريكية, جبران خليل جبران

 

 

 

جبران في الطليعة

 

وقفت متابعا الاستماع إلى تلك العجوز الكريمة القاطنة في المبنى الذي كان قد حل به جبران خليل جبران لأيام وليالي قبل حوالي المائة عام. ومن ضمن ما أخبرتني به ذات الشعر الفضي - قبل أن أتركها لتعود إلى حياتها – أن هذا الحي له طابع خاص أثّر وتأثر بسكانه. وقالت أن من ضمن سكانه باقة من الأسماء لمبدعين ومشاهير سكنوا الحي تباعا عبر العقود فأصبح الحي يقترن بالرواد الطلائعيين؛ فهذا هو إرث حي جرينتش Greenwich. الحي بالفعل له روح ابداعية واضحة ، فحتى المتاجر تفيض بالأعمال الفنية في صورها المتعددة ،، منها الفذ ومنها الغريب.

 

ربما اختلفت الأسماء وتبدلت الوجوه خلال عقد من الزمان إلا أنني أحسست بالتفائل هناك ،، حتى أن فكرة الإنتقال إلى جرينتش قد خطرت ببالي. فروح الإبداع تعتلي الوجوه، فأينما نظرت تجد تعابير الإلهام في الأعمال الإبداعية. لعل ذلك الإحساس كان حليف جبران، فقد عاش جبران أياما سعيدة في ذلك الحي عندما تحرر من أغلال ذكرياته المؤلمة لفراق الأحبة في بوسطن: أمه كاميليه وأخته سلطانة وأخوه بطرس.

 

في أول حياته في نيويورك بدى وكأن المدينة تخطب وده فترسل له الأيام بعد الأيام سعيدة وفرحة وكأنها فيه راغبة. وفي أسابيع قصيرة من الرحلات الاستكشافية لمعالم المدينة و

المزيد


اقتفاءا لأثر جبران (الجزء السابع)

سبتمبر 15th, 2009 كتبها وليد جواد نشر في , إقتفاءا لأثر جبران, الولايات المتحدة, ثقافة أمريكية, جبران خليل جبران

 

جبران في حي جرينتش

 

 

تابعت متعمقا إلى داخل حديقة واشنطن  Washington Square Parkلحي جرينتش في نيويورك والتي تقع في نهاية الشارع الذي أتخذه جبران خليل جبران  مقرا. فبعد أن تركت المغنين بالباب وجدت مجموعة أخرى تتغنى a cappela  (فرقة من المنشدين لا يستعملون الأدوات الموسيقية) من حول نافورة كبيرة تعلو مياهها لدغدغة السحاب ،، ولكن ،، ليس للسحاب وجود هذا اليوم. لقد كانت السماء صافية ،، فترتفع المياه إلى عين الشمس وتعود متساقطة إلى الأرض رذاذها متناثرا على وجوه الحضور. كانت كلمات الأغنية دافئة ومتفائلة ،، وأصوات المغنين صافية وقوية ،، بدت السعادة واضحة على الوجوه ،، تساءلت: هل يدركون شيئا خَافيًا عليّ؟ ،، لا ، إنهم فقط يعيشون اللحظة ويحتضنون الفرصة،، ولا يتركونها،، مستمتعين بالغناء. جلست على بعد أمتار معدودة والأحاسيس كما الأمواج المتلاطمة على شاطئ صخري ،، تطغى على فكري ،، فلم أميّز هل أنا سعيد أم متفائل أم منتشي ،، أم ماذا؟ ،، وفي معمة تضارب الأحاسيس أغمضت عيني وإذا بجبران يحادثني:

 

جبران: تُذكّرني هذه الحديقة بـ "بشري" ،، مدينتي.

وليد: ولكن ،، هل هناك فِرق a cappela  تتغنى من بين الكروم؟

جبران مبتسما: لا ،، لا ،، ولكن كرومها تهمس غناءا ،، وتَسُرُّ شعرا ،،

وليد: وماذا؟!

جبران: أوديتها مملوءة سحرا وهيبة، وجبال الشمال متعالية بالمجد والعظمة نحو العلاء

وليد: وماذا؟!

جبران: ولا صممت أذني عن ضجيج المكان إلا سمعت خرير تلك السواقي وحفيف تلك الغصون. إني أتشوق لتلك المحاسن تشوق الطفل إلى ذراع أمه.

وليد: إنها جنة إذن!

جبران: الملكوت كلها للخالق ،، أنت تحيا في يومك وأنا أحيا مع خيالك، انتهى وقت التأمل ،، عد إلى مكان اللحظة…

 

غادرت المكان متباطئا ،، مترقبا ،، لعلي أسمع غناء آخر أو عزف فنان أو شعر إنسان ،، لكني لم أسمع. نحو شقة الريحاني تابعت المشي … لم أكن معتادا على الم

المزيد


اقتفاءا لأثر جبران (الجزء السادس)

سبتمبر 8th, 2009 كتبها وليد جواد نشر في , إقتفاءا لأثر جبران, الولايات المتحدة, ثقافة أمريكية, جبران خليل جبران

جبران: نيويورك المدينة التي لا تنام

انقضت أيامي الثلاث في بوسطن على عجل وكأنها أرادت أن تحثني على الذهاب إلى نيويورك. رغم أن الوقت لم يكن كريما معي إلا أن كل مَنْ قابلتُهُم هناك كانوا كرماء في الحديث عن جبران خليل جبران. بالرغم من اختلاف مشاربهم صغارا وكبارا ،، طلبة ومدرسين ،، ذوي اختصاص وعوام ،، مهاجرين جدد وأبناء الأجيال السابقة ،، إلا أننا كنا نتحدث بلغة واحدة ،، لغة الحنين إلى الماضي ،، تسامرنا حول الفن والشعر ،، ليطلق أحدهم اللجام لخياله فترجم ما كان يدور بخاطر الحجارة الصماء التي لمسها الشاعر بيديه والشوارع المنبسطة التي مشى عليها برجليه. وبينما أنا أعيش تلك اللحظات في فضاء جبران حانت ساعة الرحيل وبات علي أن ألملم الثواني وأضعها في شريط الذكريات لأبقيها قريبة من فكري لأحكي لكل سائل حكاية أيامي الثلاث مع فضاء جبران في بوسطن.  

 

لمن يعرف المنطقة أو قد سافر برا من بوسطن إلى نيويورك يدرك أن الطريق المعتاد هو التوجه جنوبا على الطريق السريع I-95 (Interstate 95). وبالفعل ذلك ما أشار إليه جهاز الإرشاد GPS. تتبعت تعليمات الجهاز ولكن – على ما يبدو – أني أخطأت أحد المخارج فوجدت نفسي على الطريق السريع I-90، لم أكترث لذلك كثيرا فقد أخذت I-95 عدة مرات من قبل في زياراتي المختلفة للشمال الشرقي. ولكن بعد تجاوز مدينة هارتفيرد Hartford وجهني الجهاز لأخذ طريق ميرت US-15  (Merritt Parkway -

المزيد


اقتفاءا لأثر جبران (الجزء الخامس)

سبتمبر 1st, 2009 كتبها وليد جواد نشر في , إقتفاءا لأثر جبران, الولايات المتحدة, ثقافة أمريكية, جبران خليل جبران

من باريس إلى بوسطن 

وددت لو لم يقتصر تعقبي لجبران على حياته في أمريكا فقط لأن انتقاله من بوسطن إلى باريس وبقائه هناك ما بين 1908 و 1910 كان سيوفر لي عذرا مقبولا لقضاء بعض الوقت في مدينة الأضواء بحثا عن أثر جبران هناك؛ فلا أعتقد بأن زوجتي كانت ستعترض على مثل ذلك العذر. ولكني قد أعلنت منذ البداية بأنني سأقتفي أثر جبران في "الدنيا الجديدة"، وعليه - ولأنني لا أملك لغير ذلك حيلة - فسأتابع تنقلي في الشمال الشرقي الأمريكي لأقف على الأطلال الجبرانية وأكون على بعد بضعة أرقام من هاتف زوجتي.

 

حسنٌ، ذهب جبران وعاد من باريس محملا بمخزون جديد من الحرفية الفنية. ولكن بمجرد عودته إلى بوسطن وألتئام شمله بأخته ماريانا أدرك أنه لن يطيق صبرا على البقاء في بلدة تطبق فيها ذكريات البؤس والحزن  على أنفاسه و نفسيته. قرر جبران الذهاب إلى نيويورك. كانت تجمعه حينها علاقة قوية وحميمة بأمين الريحاني. ففي زيارته الأولى التي دامت لعدة أسابيع نَزَل في شقة الريحاني 28 غرب شارع تسعة بنيويورك 28 West Nine Street, NY. وكانت نيويورك ضاحكة في وجهه فكانت أبوابها مفتوحة له، ومن تلك الأبواب فرصة رسم شخصيات مشهورة لذلك العصر مثل "لايدي جريجوري" Lady Gregory، وآخرين مازالت ذكراهم حية في ضمير التاريخ المعاصر مثل "جون يايتس"  John Butler Yeats

 

استجمعت رحالي بنية الذهاب إلى نيويورك كي أقف على عتبة باب شقة أمين الريحاني إن كانت لا تزال قائمة. ولكن قبل توديع بوسطن قررت أن أمشي لمرة أخيرة في الشوارع التي ارتادها جبران. في يومي الثالث والأخير هناك أدركت أنني قضيت جل وقتي في شوارع ساوث إند South End - التي نشأ فيها جبران – وكان لزاما علي أن أتبع خطواتي إلى شوارع الحي الفاره لـ "باك باي" Back Bay. يتمسك الحيّان بروح الزمن الماضي. فما زال "باك باي" Back Bay حيا راقيا كما كان زمن جبران ذا شوارع واسعة ومباني عظيمة. لا أريد أن أطيل في وصفي للفرق بين الاثنين ولكني أعتقد بأن الصورة

المزيد


إقتفاءا لأثر جبران (الجزء الرابع)

أغسطس 25th, 2009 كتبها وليد جواد نشر في , إقتفاءا لأثر جبران, الولايات المتحدة, ثقافة أمريكية, جبران خليل جبران

 

 

لم أكن لأنظر إلى يميني إلا واصطدم  بشخص على شمالي ،، وما إن أتباطأ للنظر نحو شيئ حتى أسمع شخصا من خلفي يطلب مني المعذرة كي يتابع مشيه الحثيث بقول "عفوا" Excuse me ،، هكذا وبعد بضع دقائق من المشي في شوارع حي ساوث إند South End وجدت نفسي وأنا أكرر "عفوا" ،، "عفوا" ،، "عفوا" Excuse me كل دقيقة وأختها طالبا المعذرة من المارة الذين كانوا يروحون ويجيئون في أعمالهم. لازال الحي يعج بالناس كما كان قبل أكثر من مائة عام. ومع أن مشاهداتي هناك لا تطابق الوصف الذي ورد عن ذلك الحي في نهاية القرن التاسع عشر إلا أن سكان الحي ومرتاديه مازالوا بنفس المستوى من النشاط ،، ومع أن الباعة المتجولين كانوا عنصرا أساسيا في مشهد متكرر لذلك العصر إلا أنني لم أر لهم أثرا. تذكرت أن جبران كان معتادا على مشهد الباعة المتجولين،  فقد كانت أمه "كاميليه" أحد هؤلاء الذين يحملون على ظهورهم ما يقارب وزنهم من حاجيات يبيعونها لمن يريد. ليس لذلك النوع من العمل إلا الصبر والجلد وقد كان ذلك ديدن كاميليه التي كان كل يوم من حياتها منذورا للمكابدة وراء لقمة العيش. ولكنها استطاعت أن تجنب جبران بعضا من تلك المعاناة.

 

كان عمر جبران خمسة عشر عاما عندما أرسلته "كاميليه" إلى العالم العربي في عام 1898 ليبقى بعيدا عن الولايات المتحدة ولو لحين. التكهنات تقول أن أمه أرادت له أن يوثق صلته بجذوره اللغوية والإجتماعية أو لتفادي   الضغوطات الاجتماعية أو لتجنبه المعاناة المالية حيث كان أخوه بطرس يعمل بجد وكفاح لكسب قوت يومه فيما كان جبران بعيدا عن كل تلك الهموم والضغوط؛ ولعل السبب الحقيقي يشمل هذه المسببات أو بعضها أوغيرها. وبالرغم من أننا لن نتأكد في هذا المقال من السبب الحقيقي – أو مجموعة المسببات – من وراء إرسال جبران إلى لبنان إلا أننا يمكن أن نت

المزيد


إقتفاءا لأثر جبران

أغسطس 18th, 2009 كتبها وليد جواد نشر في , إقتفاءا لأثر جبران, الولايات المتحدة, ثقافة أمريكية, جبران خليل جبران

 

الجزء الثالث

جبران: الموهبة الغضة

رغم أن خليل جبران كان يتذكر سنيه الأولى في بوسطن بشيئ من الرمادية إلا أن تلك السنين الثلاث (أو أقل) ما بين 1895 و 1898 وضعته على الطريق الصحيح الذي أوصله إلى شهرة عالمية. لقد كان جبران منذ أول أيامه في عالمه الجديد رحالا يجوب الحي "ساوث إند" South End ليسكتشف بشغف فتى في سن الـ 12 عاما كل جديد من حوله؛ لونا وطعما ورائحة. فقد كان الحي ميناءا ترسو فيه العديد من سفن الهجرة التي أبحرت بالعديد من العرقيات إلى أمريكا. فالمسرح الإيرلندي يواجهه مسرح الأوبرا وتلاصقه دور الألعاب وغيرها من خيارات الترفيه من معارض الشمع و"صدق أو لا تصدق" إلخ مما عاف عليه الدهر من مظاهر وعادات.

 

بدأ جبران بحضور دينيزين هاوس Denison House الذي كان حينها مركزا يقابل مدرسة كونزي تُدرّس فيه طالبات وخريجات جامعيات اللغة والفنون والمهارات العملية لأبناء المهاجرين الجدد. وقد كان يمول هذا المركز المقتدرون من أهل بوسطن المتركزون في الحي الفاره "باك باي" Back Bay المقابل لحي جبران. ورغم الهوة الطبقية بين الفقراء والأغنياء إلا أن العلاقة بين الإثنين كانت يومية. فقد كان عدد كبير من سكان حي "ساوث إند" South End يعملون لدى أغنياء "باك باي" Back Bay. وقد شهدت تلك الحقبة الزمنية حركة إجتماعية

المزيد


إقتفاءا لأثر جبران

أغسطس 11th, 2009 كتبها وليد جواد نشر في , إقتفاءا لأثر جبران, الولايات المتحدة, ثقافة أمريكية, جبران خليل جبران

الجزء الثاني والنصف

 على الهامش: الجمعية الخيرية الصينية

 

لي وقفة على هامش رحلتي التي كنت أتتبع من خلالها أثر جبران في الولايات المتحدة. فكما رحبت أمريكا بجبران خليل جبران حينها عندما أتى طفلا عربيا ، ترحب هي اليوم بغيره من الأطفال والرجال والنساء من جميع العرقيات والجنسيات ومن ضمنهم السيد/ "جيلبرت هو" الذي أتى إلى أمريكا فتىً يافعا ليصبح رئيس الجمعية الخيرية الصينية التي ورثت المبنى الذي كان حتى عام 1976 مدرسة كوينزي الابتدائية للبنين والتي كانت يوما المدرسة الإبتدائية لجبران.

 

وكما ذكرت في الجزء السابق، كان " جيلبرت" كريما في ترحيبه بي وفي تخصيص جزء كبير من وقته كي يشرح دوره وفلسفته كراعي للمبنى مؤكدا على حرصه البالغ للإبقاء على كل الآثار التاريخية للمبنى من طوب وخشب وحجر والتي تفترش الممرات والغرف للمبنى الذي احتضن طلبة العلم على مدى قرن ونصف من الزمان. لقد دهشت بمقدار العناية التي أولاها للحفاظ على هذا الإرث، وما كنت لألومه لو قام في معرض تجديد وصيانة المبنى بالتخلص من ألواح الكتابة السوداء (ألواح الطبشور/ الطباشير) وما كنت لأستغرب لو أنه استبدل الألواح الخشبية للجدران والأروقة بألواح جديدة.

 

يعتقد السيد " جيلبرت" أن مهمته تتمحور حول مساعدة الأجيال القادمة لبني جلدته على الإبقاء على ثقافته

المزيد


إقتفاءا لأثر جبران (الجزء الثاني)

أغسطس 4th, 2009 كتبها وليد جواد نشر في , إقتفاءا لأثر جبران, الولايات المتحدة, ثقافة أمريكية, جبران خليل جبران, غير مصنف

 

مدرسة كوينزي: سنين المراهقة

 

لم يكن الوصول إلى مدرسة كوينزي سهلا فقد بدأت في الشك في جهاز الإرشاد GPS الذي كنت أعتمد عليه إلى أن اكتشفت أن العديد من الشوارع هناك أحادية الإتجاه ، مما فسر لماذا كان يطلب مني الجهاز الدوران حول نواصي بعض الشوارع. ومما زاد في شكي هو أنني كنت في قلب الحي الصيني للمدينة "تشاينا تاون" “China Town” ، ناهيك عن الشبكة الكبيرة للطرق السريعة التي تحيط بالمنطقة من كل جانب.

 

على طرف الحي وقبل أن يردني الحائط الإسمنتي للخط السريع وجهني جهاز الإرشاد للدوران يمينا على شارع ضيق باسم “Marginal Road” والذي يمكن ترجمته إلى "الشارع الهامشي"! وفي أول تقاطع أدركت أن الشارع الموازي له هو  شارع تايلور Tyler Street الذي أقصده. لقد أزيلت المباني المواجهة لشارع تايلور الذي تقع عليه المدرسة ولكن الحظ كان حليفي ببقاء المعالم الأهم لمدرسة كوينزي ومنزل جبران وحتى متجر البقالة التي كان يديره أخوه بطرس.

 

تعرفت على مبنى المدرسة فور وقوع ناظري عليه فقد كان مطابقا للصور القديمة لإبتدائية كوينزي. أخذت نفسا عميقا وأنا أخطو على العتبات التي أخذتني إلى المدخل فقد خطى جبران حيث أمشي. لم تتغير الأرضية ،، ولم تنزع الجدران ،، ولم تستبدل الأسقف ،، فقد حافظ كل وريث لذلك المبنى على الأحشاء التي أعطت

المزيد


التالي